الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي
227
معجم المحاسن والمساوئ
ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدوّ نفسك وصديق عدوّك فارقت الحسد لا محالة . أمّا كونه ضررا عليك في الدين ، فهو أنّك بالحسد سخطت قضاء اللّه تعالى وكرهت نعمته الّتي قسمها لعباده ، وعدله الّذي أقامه في ملكه لخفيّ حكمته واستنكرت ذلك واستشنعته ، وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى في عين الإيمان ، وناهيك بها جناية على الدين وقد انضاف إليه أنّك غششته رجلا من المؤمنين وتركت نصيحته وفارقت أولياء اللّه وأنبياءه في حبّهم للخير لعباد اللّه وشاركت إبليس ، وسائر الكفّار في محبّتهم للمؤمنين البلاء وزوال النعم ، وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب وتمحوها كما يمحو الليل النهار . وأمّا كونه ضررا عليك في الدنيا فهو أنّك تتالّم بحسدك وتتعذّب به ولا تزال في كدر وغمّ إذ أعداؤك لا يخليهم اللّه عن نعم يفيضها عليهم فلا تزال تتعذّب بكلّ نعمة تراها وتتألّم بكلّ بليّة تنصرف عنهم فتبقى مغموما محروما منشعب القلب ضيّق النفس كما تشتهيه لأعدائك وكما يشتهي أعداؤك لك فقد كنت تريد المحنة لعدوّك فتنجّزت في الحال محنتك وغمّك نقدا ولا تزول النعمة عن المحسود بحسدك ولو لم يكن تؤمن بالبعث والحساب لكان مقتضى الفطنة - إن كنت عاقلا - أن تحذر من الحسد لما فيه من ألم القلب ومساءته وعدم النفع فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة فما أعجب من العاقل أن يتعرّض لسخط اللّه من غير نفع يناله ، بل مع ضرر يحتمله وألم يقاسيه فيهلك دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة . وأمّا أنّه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأنّ النعمة لا تزول عنه بحسدك ، بل ما قدّره اللّه تعالى من إقبال ونعمة فلا بدّ وأن يدوم إلى أجل قدّره اللّه تعالى فلا حيلة في رفعه وإن كانت النعمة قد حصلت بسعيه من علم أو عمل فلا حيلة في دفعه أيضا ، بل ينبغي أن تلوم أنت نفسك حيث يسعى وقعدت وشمّر وكسلت وسهر ونمت وكان حالك كما قيل : هلّا سعوا سعى الكرام فادركوا * أو سلّموا لمواقع الأقدار ومهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود من ضرر في الدنيا ولا كان